النووي
62
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
زَيْدٍ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَبَيِّنَةُ عَمْرٍو أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَهَلْ تَتَعَارَضَانِ ، أَمْ يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا ؟ طَرِيقَانِ ، الْمَذْهَبُ التَّقْدِيمُ ، وَيَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي بَيِّنَتَيْ شَخْصَيْنِ تَنَازَعَا نِكَاحَ امْرَأَةٍ إِذَا اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا ، وَفِيمَا إِذَا تَعَارَضَتَا مَعَ اخْتِلَافِ التَّارِيخِ لِسَبَبِ الْمِلْكِ ، بِأَنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَلَوْ نَسَبَا الْعَقْدَيْنِ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ ، فَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَذَاكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ ، وَطَرَدُوا الْخِلَافَ أَيْضًا فِيمَا إِذَا تَنَازَعَا أَرْضًا مَزْرُوعَةً ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا أَرْضُهُ زَرَعَهَا ، وَالْآخَرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزَّرْعِ تُثْبِتُ الْمِلْكَ مِنْ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ . هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ سَبْقَ التَّارِيخِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ حَتَّى لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سُنَّةٍ ، وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ كَانَ فِيهِ الْخِلَافُ ، فَإِنْ رَجَّحْنَا بِسَبْقِ التَّارِيخِ ، حَكَمْنَا بِهَا لِصَاحِبِ السَّبْقِ ، وَلَهُ الْأُجْرَةُ وَالزِّيَادَاتُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ ، وَإِنْ لَمْ نُرَجِّحْ بِهِ ، فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَصْلِ التَّعَارُضِ ، وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهَا مُؤَرَّخَةً ، وَالْأُخْرَى مُطْلَقَةً ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَتَتَعَارَضَانِ ، وَقِيلَ : تُقَدَّمُ الْمُؤَرَّخَةُ . وَلَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَالْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَهُوَ الَّذِي نَتَجَهَا ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ : هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَبْقِ التَّارِيخِ ، وَطَرَدُوهُ فِي كُلِّ بَيِّنَتَيْنِ أَطْلَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْمِلْكَ ، وَنَصَّتِ الْأُخْرَى عَلَى سَبَبِهِ مِنْ إِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ قَطْعًا ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ لَهُ ، وَالَّتِي سَبَقَ تَارِيخُهَا لَا تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ مِلْكِهِ ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ يَقْتَضِي اطِّرَادَ الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا لَوْ تَنَازَعَا ثَمَرَةً وَحِنْطَةً ،